من الجامعة الى الشركة١٠ دقائق قراءة

المادة اللي ما تنزل لك فالجامعة

مادة ما لها دكتور ولا اختبار.. وهذي أول محاضرة فيها.

شخص تائه بعد انتهائه من الجامعه
أول خطوة ما تنتظر تخرجك.

في يوليو 2025 كانت أول مرة في حياتي أمسك مشروع حقيقي خارج النطاق الأكاديمي، وكانت أول مرة أتعامل مع شركة، وكانت الشركة مكتبة جرير.

الفرق بين اللي كنت أشوفه في الجامعة واللي شفته في مشروع جرير كان نقلة مرعبة. البيانات مو جاهزة، المتطلبات مو واضحة، التواصل مو سهل, عكس اللي تعودت عليه في الجامعة.

طول فترة المشروع كنت تايه، ومو عارف كيف أتعامل مع هذا كله! المفروض تخصصي يعلمني على هذي الأشياء، لكن سوق العمل كان له رأي آخر تمامًا.

وفي وسط ضياعي، اتصل علي مشرفنا على المشروع يزن الشعيبي ودار بيننا حوار طويل عن المشروع وفي نهاية المكالمة قال لي:

«يا يزن، هذا هو البزنس، ولازم تتعود عليه.»

وقتها تمنيت لو أحد قال لي هذا الكلام قبل ما أبدأ المشروع. وفي هذا المقال بحاول أكتب الشيء اللي تعلمته على مدار السنة الماضية.

هذا هو البزنس..

تبرمج، تصمم، تحلل بيانات.. هذي أدواتك! شغلك الحقيقي إنك تحل مشكلة الشركة.

ارجع لآخر واجب حليته في الجامعة. قبل ما تبدأ فيه، كان الدكتور مخلّص نص الشغل عنك.

كتب السؤال، وحدد المتطلبات، وزبط البيانات، وجهّز لك كل اللي تحتاجه، وفوقها قرر وش يعني "صح". وإذا ما عرفت تحل، تروح له ويجاوبك، وأنت ما انتبهت لهذا كله! تعرف ليش عزيزي الطالب؟ لأن الدكتور كان دايمًا موجود.

وفي سوق العمل، ما راح يكون فيه دكتور يجمع لك المتطلبات، ولا يكون معك في كل خطوة. الشركة عندها مشكلة، وعشان كذا جابتك!

وما بتبدأ من الصفر مثل الجامعة. غالبًا بتبدأ من نص شيء بناه غيرك: كود، تصاميم، بيانات، أنظمة. وغالبًا ما بتكون الأشياء هذي مرتبة، ولازم تفهم كل شيء قبل ما تبدأ تشتغل.

وما بتكون تشتغل لحالك. أنت قطعة من مشروع كبير، فيه ناس يعتمدون على شغلك، وأنت تعتمد على شغلهم.

وما فيه "صح". فيه خيارات: سريع أو مثالي، رخيص أو قوي. وكثير من الأحيان القرار مو بيدك.. بيد البزنس!

والأهم: مافيه تسليم. اللي تسويه لازم يشتغل كل يوم، وفيه ناس يستخدمونه، وأي غلطة ما بتكلفك درجة في مادة، بتكلفك فلوس وثقة. وممكن بعد كل هذا تتغير الأولويات وينرمي شغلك، وهذا طبيعي.

الجامعة لعبة فيها لاعب واحد وحكم واحد ونهاية واضحة. والسوق فيه لاعبين كثير، ومافيه حكم، واللعبة... ما تخلص.

وأول مرة تدخل هذي اللعبة بتحس إنك تايه. مو لأنك ضعيف، ولكن لأنك تلعب لعبة ما قد أحد علمك على قوانينها.

الخبرة تبدأ قبل الوظيفة

«كل وظيفة تطلب خبرة، وما أقدر آخذ خبرة إلا بوظيفة!»

إذا هذي الجملة مرت في بالك، فأنت مو لحالك. وكلامك منطقي.. افتح أي إعلان وظيفة وبتلقى «خبرة سنتين» أو «خبرة سابقة».

بس في المجالات التقنية, هذا الشيء ما يكون بالمعنى الحرفي, اذا كل الوظايف تطلب خبره.. كيف عدد كبير من حديثين التخرج يتوظفوا ؟

الشركة لما تطلب خبرة، ما تطلب وظيفة سابقة. تطلب دليل إنك لعبت اللعبة قبل. والوظيفة مكان واحد تاخذ منه هذا الدليل، مو المكان الوحيد.

الخبرة التقنية تجي من الممارسة، والممارسة تكون ببناء مشاريع حقيقية. والصدمة اللي تنتظرك في السوق: اللي تتعلمه في الجامعة هو الجزء الصغير. أغلب الشغل يكون شيء ما تعلمته فالجامعة.

لو أنت Software Engineer:

  • شغلك مو بس تكتب كود. أنت مسؤول عن النظام كامل: وين يشتغل، وهل يشتغل لو دخل عليه آلاف الناس بنفس الوقت، ووش يصير لما يخرب.
  • مشروعك يشتغل على Cloud زي AWS أو GCP، مو على جهازك. ولازم تفهم ايش هي الانظمة السحابية، وكم ممكن تكلّف.
  • كودك ما ينرفع إلا بعد Code Review، وممكن يرجع لك بعشرين تعليق.
  • كل تعديل يمر على CI/CD قبل ما يوصل للناس، زي GitHub Actions.
  • فيه Staging و Production، واللي يشتغل عندك ممكن يخرب هناك.
  • ولما يخرب شيء، ما فيه دكتور تسأله.. فيه Logs تقراها.

لو أنت Data Analyst:

  • البيانات مو ملف CSV. هي Data Warehouse زي BigQuery أو Snowflake، فيها مئات الجداول، ومحد بيشرح لك وش فيها.
  • وشغلك مو إنك تطلّع Chart. المدير ما يبي رسمة، يبي قرار: "نسوي كذا ولا لا؟". ولو ما قدرت تقول له الجواب بجملة وحدة، تحليلك ما وصل.

لو أنت UX/UI Designer:

  • ما تصمم من الصفر. تشتغل داخل Design System موجود، بألوانه وخطوطه ومكوناته.
  • تصميمك يتسلّم للمهندسين عن طريق Handoff، ولازم يكون قابل للبناء، مو بس حلو.
  • وتختبره مع مستخدمين حقيقيين في Usability Testing، وغالبًا بيستخدمونه بطريقة ما توقعتها.

محد يطلب منك تعرف كل هذا. بس لازم تعرف إنه موجود، وتجرب واحد أو اثنين منه في مشروعك. هنا يصير مشروعك شغل، مو واجب جامعي.

حوّل أفكارك لمشاريع

سألته: من خبرتك، وش اللي كان يميّز الخريجين الجدد اللي كبروا بسرعة في فريقك عن غيرهم؟

أكثر ما يميزهم هو أنهم اكتسبوا خبرة عملية قبل ما ينهوا دراستهم الجامعية. والخبرة مو بالضرورة تكون من العمل في شركات، ممكن تكون من مشاريع شخصية أو مشاركة في تحديات.

وبرأيي، أسهل وأفضل طريقة لاكتساب الخبرة المبدئية هي أنك تبدأ بتحويل أفكارك إلى مشاريع. هذا الشي بيعلّمك أولاً كيف تفهم البزنس واحتياجاته، وهذه للأمانة من أهم المهارات اللي يفتقدها كثير من المطورين، وبعدها تتعلم كيف تحوّل هذه الاحتياجات إلى منتج متكامل.

ومن المهم أيضاً أنك تطّلع على التطبيقات الموجودة في السوق، عشان تتكوّن عندك مرجعية تساعدك تبني الأشياء بطريقة صحيحة. فتسأل نفسك مثلاً: كيف التطبيق الفلاني عامل الحركة هذي؟ ومع وجود الذكاء الاصطناعي اليوم، صار بإمكانك تسأل وتستفسر عن طريقة عملها والتصميم الهندسي وراءها، ومن هنا تبدأ تتعلم وتطبّق.

حتى لو تعلّمت فكرة واحدة من كل مشروع، فهي كافية إنها ترفع مستواك. وفكرة ورا فكرة، بتصير عندك معرفة وخبرة متراكمة تخليك تدخل مقابلات العمل بعد التخرج بثقة، وتكون متقدم بخطوات على كثير من الخريجين اللي ما مرّوا بهالتجربة.

مو كل مشروع خبرة

سألته: وش اللي يخلي مشروع الطالب يُحسب كخبرة حقيقية في عينك؟

الخبرات اللي مرت علي مع حديثي التخرج مقسمة إلى ثلاث درجات، مرتبة بحسب أهميتها في سوق العمل.

الدرجة الأولى: المشاريع المهنية

المشروع المهني هو أي مشروع كنت ملزم بتسليمه تحت بنود عقد، سواء كان عقد وظيفة جزئية أو عقد عمل حر... إلخ.

المشاريع المهنية تختبر وتصقل عندك مهارات الإبداع والتفكير التقني الناقد تحت قيود الوقت والميزانية.

وليس إجباري إنها تكون بمقابل مادي، بمعنى إنك تقدر تتطوع (في البدايات فقط طبعًا) لأي فرد أو جهة وتقدم لهم المشروع بدون مقابل مادي أو بمقابل رمزي.

الدرجة الثانية: المشاريع الشخصية

المشاريع الشخصية تضم أي مشروع اشتغلت فيه بهدف إنك تلبي حاجة شخصية لك.

على سبيل المثال، بنيت لنفسك تطبيق أو منصة تجمع فيها الأفلام والمسلسلات والكتب اللي استهلكتها وتقييمك لها.

مو بالشرط إنها تكون فكرة مبتكرة، الشرط إنه لازم تكون مفصلة بالضبط لاحتياجاتك ورغباتك، وإنك فعلًا تستخدم المنتج لتلبية احتياجك بشكل مستمر أيًّا كان.

الدرجة الثالثة: مشاريع الكورسات أو المقررات الجامعية

معروفة عند جميع الطلاب الجامعيين، هي المشاريع اللي تكون مكلف إنك تخلصها لاجتياز المقرر أو الحصول على شهادة.

تعتبر أضعف نوع من الخبرات بحكم إنها تكون بالغالب مكررة وخالية من التحديات اللي تفرقك عن غيرك من مجتازين الكورس أو المقرر.

نصيحتي إنك لا تحرص عليها ولا تظن إنها هي اللي راح تشد الأنظار؛ طبقها علشان تتعلم وتجتاز المقرر أو الكورس. لا أكثر ولا أقل.

مين يعرف شغلك؟

لما تسمع «العلاقات مهمة»، أول شيء يجي في بالك: أزيد الـConnections في لينكدإن، وأحضر فعاليات، وأوزّع حسابي على الكل.

بس خلني أسألك سؤال.. لو عندك 500 شخص في لينكدإن، كم واحد منهم يعرف وش تسوي بالزبط؟ وكم واحد بيذكر اسمك لو جاته فرصة؟

في السوق، كثير من الفرص ما تنزل كإعلان. تبدأ بجملة وحدة: «أعرف واحد ممكن يناسبكم». والشخص اللي يقول هذي الجملة، ما يقولها عن أحد يعرف اسمه بس.. يقولها عن أحد يعرف شغله.

اسأل، اسأل، اسأل.

عدد ذوي الخبرة في شتى المجالات التقنية عدد كبير وبخبرات أنواع وأشكال، والجميل في المتمرسين في المجالات التقنية إنهم ما راح يردون لك سؤال أو يتكتمون عن نشر خبراتهم. فلا تخاف أو تستحي إنك تسأل أي شخص، سواء كان في محيطك المباشر أو شخص في لينكدإن ما تعرفه ولا يعرفك. وحتى لو كان بنفس سنين الخبرة اللي عندك أو أقل حتى، إلا ما يكون عنده معلومة ما تعرفها أو تجربة ما خضتها بتستفيد منها الكثير.

وازيدك من الشعر بيت، السؤال وتبادل الخبرات هي أفضل طريقة لبناء العلاقات والمعارف المهنية.

فهد شلهوبHead of Engineering · Bites | بايتسلينكدإن

وتدريبي الحالي جا بهذي الطريقة بالضبط.

قبل شهرين، كنت أتكلم مع مؤسس «موهوب». ما طلبت منه وظيفة، ولا طلبت تدريب. كان سؤالي بسيط: كيف أكون من الأفضل في مجالي لما أتخرج؟

جاوبني، وتكلمنا عن هذا الموضوع. وفي نفس المحادثة، قال لي إنه شغال على مشروع هذي الفترة، ويدوّر على مهندسين يشتغلون عليه. واقترح أدخل كمتدرب.

وبعد يوم واحد بس، وصلني العرض.

وش مجالك؟

السوق ما يوظف «خريج علوم حاسب\هندسة برمجيات». يوظف Backend Engineer، أو Data Analyst، أو UX Designer، أو AI Engineer الخ...

وعشان كذا، لازم تختار مجالك وأنت طالب، مو بعد ما تتخرج.

ولا تختاره عشان ترند، ولا عشان فيديو قال لك إنه "أفضل مجال". اختاره بالتجربة. اشتغل على شيء صغير في المجال اللي شادّك، وشوف هل تنبسط وأنت تشتغل فيه فعلًا، ولا كنت مبسوط بس بفكرته.

ولما تلقى المجال اللي يعجبك، ادخل فيه بعمق. السوق ما يدوّر على اللي يعرف شوي من كل شيء.. يدوّر على اللي يعرف شيء واحد ويتقنه.

واختيارك مو شرط يكون للأبد. عادي تقدر تغيّر بعدين. بس بتغيّر من شيء، مو من لا شيء.

قبل ما تبدأ..

عزيزي القارئ..

في جرير، تمنيت لو أحد قال لي هذا الكلام قبل ما أبدأ. وهذا المقال فيه الكلام اللي كنت أبي أسمعه وقتها.

وعشان اكون صادق هذا المقال ما راح يخلي أول تجربة لك سهلة. بتضيع، وبتحس إنك ما تعرف شيء، وهذا طبيعي.

بس لما تدخل أول مشروع حقيقي، وتلقى البيانات مو جاهزة، والمتطلبات مو واضحة، ويجيك شخص ويقولك «هذا هو البزنس»..

بتكون سمعتها قبل ما تبدأ.


مقال جديد كل ما تعلّمت شيء يستاهل

إيميل واحد لكل مقال، وبس.